أبي الفرج الأصفهاني
110
الأغاني
قال الواقديّ : فحدّثت بهذا الحديث يعقوب بن محمد الظفريّ ، فقال : سمعت سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان يقول : لما انقلب حسّان من مأدبة بني نبيط إلى منزله استلقى على فراشه ، ووضع إحدى رجليه على الأخرى ، وقال : لقد أذكرتني رائقة وصاحبتها أمرا ما سمعته أذناي بعيد ليالي جاهليتنا مع جبلة بن الأيهم ! فقلت : يا أبا الوليد ! أكان القيان يكنّ عند جبلة ؟ ، فبتسّم ثم جلس ، فقال : لقد رأيت عشر قيان : خمس روميّات يغنّين بالروميّة بالبرابط ، وخمس يغنّين غناء أهل الحيرة ، وأهداهنّ إليه إياس بن قبيصة ، وكان يفد إليه من يغنّيه من العرب من مكَّة وغيرها ، وكان إذا جلس للشرب فرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين ، وضرب له العنبر والمسك في صحاف الفضة والذهب ، وأتي بالمسك الصحيح في صحاف الفضة ، وأوقد له العود المندّى [ 1 ] إن كان / شاتيا ، وإن كان صائفا بطَّن بالثّلج ، وأتي هو وأصحابه بكسا صيفيّة يتفضّل هو وأصحابه بها في الصيف ، وفي الشتاء الفراء الفنك [ 2 ] ، وما أشبهه ، ولا واللَّه ما جلست معه يوما قطَّ إلَّا خلع عليّ ثيابه التي عليه في ذلك اليوم ، وعلى غيري من جلسائه ، هذا مع حلم عمّن جهل ، وضحك وبذل من غير مسألة ، مع حسن وجه وحسن حديث ، ما رأيت منه خنى قطَّ ولا عربدة ، ونحن يومئذ على الشّرك ، فجاء اللَّه بالإسلام فمحا به كلّ كفر ، وتركنا الخمر وما كره ، وأنتم اليوم مسلمون تشربون هذا النبيذ / من التّمر ، والفضيخ [ 3 ] من الزّهر والرّطب ، فلا يشرب أحدكم ثلاثة أقداح حتى يصاحب صاحبته ويفارقها ، وتضربون فيه كما تضرب غرائب الإبل فلا تنتهون ! . أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ ، عن أبي أيوب المدينيّ ، عن مصعب الزبيريّ ، عن الضحّاك ، عن عثمان بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن خارجة بن زيد مثله ، وزاد فيه : فلما فرغنا من الطعام ثقل علينا جلوس حسّان ، فأومأ ابنه إلى عزّة الميلاء فغنّت : انظر خليلي بباب جلَّق هل تبصر دون البلقاء من أحد فبكى حسّان حتى سدر [ 4 ] ، ثم قال : هذا عمل الفاسق ، أما لقد كرهتم مجالستي ، فقبّح اللَّه مجلسكم سائر اليوم ، وقام فانصرف . أخبرني حرميّ ، عن الزبير ، عن عمه مصعب ، قال : ذكر هشام بن عروة ، عن أبيه : أنه دعي إلى مأدبة في زمن عثمان ، ودعي / حسّان ومعه ابنه عبد الرحمن ، ثم ذكر نحو ما ذكره عمر بن شبّة عن الأصمعيّ في الحديث الأول ، قال [ 5 ] :
--> [ 1 ] في « بيروت » : « الهندي » . [ 2 ] المختار : « بفراء الفنك » ، والفنك : جنس من الثعالب أصغر من الثعلب المعروف وفروته من أحسن الفراء . [ 3 ] الفضيخ : عصير العنب ، وشراب يتخذ من بسر مفضوخ وإن غلبه الماء . « القاموس » . [ 4 ] سدر : أصابه شبه دوار وتحير . [ 5 ] ديوانه 110 .